وقت لي ل اذرف دموع احزاني فأني من ولدت طموحي يعلي مقامي_
العنوان: حتى الفناء
الكتاب: 🥤
كان شخص لم يكن أحدٌ يكرهه
بل على العكس، كان من أولئك الذين إذا دخلوا مكانًا انسوه
كانت الوجوه تلتفت إليه، والابتسامات تسبقه، والأصوات تناديه من بعيد. كان يعرف كثيرين، ويعرفه أكثر مما يتوقع.
كان محبوبًا.
ليس لأنه كان كاملًا، ولا لأنه لم يخطئ يومًا، بل لأنه كان يعرف كيف يجعل من حوله يشعرون بأنهم مهمّون.
كان يسمع لهم حين يتحدثون، ويضحك حين يضحكون، ويبقى إلى جوارهم حين تضيق بهم الدنيا.
ولهذا، حين كان يسأل نفسه:
•من سيبقى معي إن احتجت إليه؟•
لم يكن يجد سببًا للخوف.
كان لديه الكثيرون.
أصدقاء، ورفاق، وأشخاصٌ أقسموا له أنهم لن يتركوه.
كان يسمع منهم الكلمات ذاتها مرارًا:
! لا تقلق، نحن هنا._
مهما حدث، لن نتركك._
إذا احتجتنا، ستجدنا.•
وكان كل احمق يصدّق.
لم يكن يصدّق الكلمات فحسب، بل كان يبني عليها شيئًا كاملًا في داخله.
كان يظن أن الإنسان حين يكون محبوبًا إلى هذا الحد، لا يمكن أن يصبح وحيدًا.
؛//وكان ذلك أول خطأ ارتكبه.
مرت السنوات به هادئة.
كبر، وتغيّرت الأشياء من حوله، لكن دائرة الناس بقيت واسعة.
كان إذا خرج وجد من يحييه.
وإذا غاب وجد من يسأل عنه.
وإذا حزن، جلس إلى جانبه أحدهم.
وإذا ضحك، ضحك معه الجميع.
وفي إحدى الليالي، اجتمع مع أقرب أصدقائه._
كانت ليلة عادية.
ضحكات، أحاديث لا معنى لها، ذكريات قديمة، وخططٌ للمستقبل.
كانوا يتحدثون عن السنوات القادمة، وعن الأماكن التي سيذهبون إليها، والأشياء التي سيفعلونها معًا.
قال أحدهم:
_تخيّلوا لو بقينا هكذا إلى أن نشيب.'
ضحك آخر وقال:
ومن قال إننا سنفترق؟•
ثم نظر إليه أحدهم وقال:
مهما صار، سنبقى معك»
ابتسم.
فأضاف الآخر:
سنَبقى معك حتى الفناء.
ضحك الجميع.
وضحك هو أيضًا.
ولم يكن أحدٌ منهم يعلم أن الجملة التي قيلت على سبيل المزاح ستصبح يومًا آخر ما يتذكره.
بعد أيام قليلة، تغيّر كل شيء.
في صباحٍ لم يكن مختلفًا عن غيره، خرج من منزله.
لم يكن يعرف أن ذلك الصباح هو الأخير.
لم يكن يحمل رسالة وداع.
لم يكن يعلم أن بعض الأشخاص الذين تحدث معهم في ذلك اليوم سيكونون آخر من يسمع صوته.
لم يكن يعرف أن ضحكته الأخيرة قد خرجت بالفعل.
ثم جاء المساء.
وجاء معه الموت.
لم يكن الموت صاخبًا.
لم يطرق الباب.
لم يمنحه فرصة ليقول:
«انتظر.»
جاء فقط
وأخذ كل شيء.
توقّف قلبه.
سكنت عيناه.
وسقط جسده الذي حمله طوال حياته.
... وفي لحظة واحدة، أصبح كل ما كان يملكه من الدنيا ذكرى.
---
بكاه الناس.
ازدحمت الوجوه حوله.
قيلت الكلمات التي تُقال دائمًا عند الفقد.
رحمه الله.
كان طيبًا.
لن ننساه.
ليته بقي معنا أكثر.
وبكى الذين أحبوه.
وتذكّروا ضحكاته.
تذكّروا مواقفه.
وتذكّروا تلك الليلة.
الجملة التي قالها أحدهم:
سنَبقى معك حتى الفناء._
ثم دُفن.
انصرف الجميع.
وعاد كل شخص إلى منزله.
نام بعضهم باكيًا.
وظل بعضهم مستيقظًا يفكر فيه.
وفي اليوم التالي، بقي الحزن.
وبعده بيوم، بقي شيءٌ منه.
وبعد أسبوع، بدأ العالم يستعيد صوته.
وبعد شهر، عاد كل شخص إلى حياته.
ثم مرّت الشهور.
وتغيّرت الصور.
واختفت المحادثات القديمة في أسفل الهواتف.
وانشغل الناس.
لم يكن أحدٌ قاسيًا.
لم يتخلَّ عنه أحد عمدًا.
لكن الحياة كانت تمضي.
وكانت هذه هي الحقيقة الأكثر رعبًا.
أن العالم لا يتوقف عندما يموت شخص.
... أما هو
فلم تعد تعنيه الأيام.
لم يعد يعرف صباحًا من مساء.
لم يعد يعرف كم مرّ من الوقت.
كان في مكانٍ لا يصل إليه صوت الحياة.
مكانٍ لا توجد فيه وجوه.
ولا أصدقاء.
ولا ضحكات.
ولا وعود.
القبر.
و قال لقد مت
ساكنًا لا املك من جسدي حراكًا،
وقد تَبَعثر ما بقي مني تحت التراب،
والظلمةُ من حولي لا يقطعها إلا صدى أنفاسي الأخيرة.
أرفع بصري إلى موضعٍ لا أراه،
وأنتظر أن أسمع صوتًا يناديني،
أو قدمًا تقترب،
أو لسانًا يذكرني بدعاء.
لكن لا أحد.
فجأةً أتذكّر وجوه الذين قالوا لي يومًا:
سنَبقى معك حتى الفناء
فأبتسم في ظلمة قبري
أيُّ فناءٍ هذا الذي وعدتموني به؟
ها أنا قد فنيت،
وها هو التراب قد ضمّني،
وأنتم فوق الأرض تمضون في حياتكم،
كأنني لم أكن يومًا بينكم.
وحينها أفهم الحقيقة التي يخيفني أن أستيقظ منها:
أن الإنسان قد يُنسى أسرع مما يتخيّل،
وأن القبر لا يدخله معه أحد
إلا عمله.
سكتُّ.
لم أعد أنتظر خطوات.
لم أعد أنتظر صوتًا.
لم أعد أنتظر أحدًا.
لأنني أدركت أخيرًا أن كل الوجوه التي ملأت حياتي، وكل الأيدي التي أمسكت بيدي، وكل الأصوات التي قالت:
لن نتركك.
كانت تستطيع أن ترافقني حتى باب القبر…
لكن لا أحدٌ منها استطاع أن يدخل معي.
وبقيتُ وحدي.
أنا
والتراب…
وما قدّمتُه قبل أن ينتهي كل شيء.