JustPaste
HomeCategoriesAboutDonateContactTerms of UsePrivacy Policy
JustPaste

Free online notepad — write and share instantly

Navigate

  • Home
  • Timeline
  • Categories

Info

  • About
  • Donate
  • Contact

Legal

  • Terms of Use
  • Privacy Policy

© 2026 JustPaste.app. All rights reserved.

Made with ♥ by JustPaste

Untitled Page | JustPaste.app
14 days ago7 views
✍️Creative Writing

Untitled Page

اܳفصل 21

الفصل الحادي والعشرون: الفكرة التي

لم تكن في الحسبان

مقتطف من اܳفصل

»دخل أحمد اܳعشري المعهد اܳعالي للتعاون الزراعي بشبرا الخيمة

وهو يحمل في داخله طموحًا أكبر من مجرد الحصول على شهادة

جامعية. كان يتمنى أن يكون من المتفوقين، وأن يثبت ܳنفسه قبل

أي شخص آخر أنه قادر على اܳنجاح، وأن اܳسنوات اܳقادمة ستكون

مختلفة عن كل ما سبقها.« دخل أحمد اܳعشري المعهد اܳعالي للتعاون الزراعي بشبرا الخيمة وهو يحمل في

داخله طموحًا أكبر من مجرد الحصول على شهادة جامعية. كان يتمنى أن يكون من

المتفوقين، وأن يثبت ܳنفسه قبل أي شخص آخر أنه قادر على اܳنجاح، وأن اܳسنوات

اܳقادمة ستكون مختلفة عن كل ما سبقها.

في الأيام الأولى، كان ينظر إلى المعهد باعتباره بداية جديدة؛ مكانًا يستطيع

فيه أن يعيد ترتيب حياته، ويضع ܳنفسه أهداف ًا واضحة، ويبدأ طريقًا يتناسب مع

اܳصورة اܳتي رسمها لمستقبله.

ܳلكن بين ما كان يتمناه وما كان يفعله، بدأت تظهر مسافة لم ينتبه إܳيها في

اܳبداية.

لم يكن الانتظام في الحضور سهل ًا كما تخيل. كانت الرحلة من اܳبحيرة إلى

ًا كبيرًا من وقته وطاقته، ومع الأيام، أخذت الاܳتزامات

اܳقاهرة تستنزف جزء

تتداخل، وتأجلت بعض المحاضرات، ثم تراكمت وراءها محاضرات أخرى.

كان كلما تذكر ما فاته، وعد نفسه بأن يعوضه في اܳيوم اܳتالي.

210 يقول ܳنفسه: »بكرة هبدأ أظبط الدنيا. هراجع اللي فاتني، وهنتظم في الحضور،

َ ومش هسيب المواد تتراكم عليّ تاني«.

ܳلكن اܳغد كان يأتي، ويمضي، ثم يأتي غد جديد.

ولم يكن أحمد غافل ًا تمامًا عما يحدث. كان يعرف أنه يبتعد عن الهدف الذي

وضعه ܳنفسه، ܳلكنه كلما حاول أن يمسك بطرف الخيط، وجد أمامه اܳتزامًا آخر أو

ا يشغله، فيؤجل اܳبداية مرة أخرى.

ً

أمر

ومع اقتراب امتحانات اܳفصل الدراسي الأول، اكتشف أن اܳوقت الذي ظن

أنه ما زال يمللكه قد أوشك على اܳنفاد.

لم يكن أمامه رفاهية الاستعداد المثالي؛ فبدأ يبحث عن الملخصات والمذكرات

اܳتي تساعده على فهم أهم أجزاء المقررات ومراجعتها في اܳوقت المتبقي. اجتهد في

اللحاق بما يستطيع، ودخل الامتحانات، ثم اجتاز اܳفصل الدراسي الأول.

كان اܳنجاح فرصة جديدة، ܳلكنه لم يكن اܳنتيجة اܳتي كان يطمح إܳيها عندما

دخل المعهد.

ومع بداية اܳفصل الدراسي اܳثاني، عاد الأمل إلى داخله من جديد.

هذه المرة، ܳن يكرر ما حدث.

سيبدأ مبكر ًا، وينتظم في الحضور، ويذاكر أولًا بأول، وܳن يسمح للتراكمات

بأن تتحكم في أيامه مرة أخرى.

211 كانت الخطة واضحة في ذهنه، ܳلكن تنفيذها ظل أصعب مما توقع.

فالأيام تمضي، واܳسفر يستهلك طاقته، والاܳتزامات لا تتوقف، وهو ما زال

يحاول أن يجد ܳنفسه مكانًا بين الدراسة والحياة اܳتي يريد بناءها.

وبينما كان موعد امتحانات اܳفصل الدراسي اܳثاني يقترب، وجد نفسه أمام

اܳسؤال اܳقديم نفسه: كيف سيلحق بكل ما فاته هذه المرة؟

لم يكن يريد أن يظل في الدائرة ذاتها؛ يتأخر، ثم يقلق، ثم يبحث عن وسيلة

سريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وفي خضم هذا اܳتفكير، بدأ ينتبه إلى مشكلة لم تكن تخصه وحده.

كان اܳطلاب يبحثون عن المحاضرات واܳسكاشن، ويتبادܳون الملفات، ويسأܳون

عن المراجعات، ويحاول كل واحد منهم أن يصل إلى المعلومة اܳتي يحتاج إܳيها.

أحيانًا يجدها بسهولة، وأحيانًا يضيع وقت ًا طويل ًا في اܳبحث عنها بين مجموعات

ورسائل متفرقة.

توقف أحمد عند هذه اܳفكرة.

إذا كان هو نفسه يعاني من صعوبة اܳوصول إلى المواد وتنظيمها، فربما كان

هناك طلاب آخرون يواجهون المشكلة ذاتها.

212 ولماذا لا ينشئ مجموعة يجمع فيها ما يستطيع توفيره من مواد دراسية، وينظمها

بحيث يسهل على اܳطلاب اܳوصول إܳيها؟ وفي اܳوقت نفسه، يستفيد هو من ترتيب

المحتوى ومراجعته، ويصبح لديه مكان يعود إܳيه بدلًا من أن تظل المواد مبعثرة

أمامه.

لم تكن اܳفكرة في اܳبداية مشروع ًا ضخمًا، ولم يكن يتصور أنه يؤسس كيانًا

سيحتاج يومًا إلى فريق ومنصة وخدمات متعددة.

كانت اܳفكرة أقرب إلى محاولة عملية للخروج من اܳفوضى اܳتي وجد نفسه فيها.

قال في نفسه: »طب ما أجرب. أعمل جروب أنظم فيه المحاضرات

واܳسكاشن، وأوفر للطلبة اللي أقدر عليه. يمكن كده أساعد غيري، وفي

اܳوقت نفسه أساعد نفسي«.

بدت اܳفكرة بسيطة، ܳلكن أحمد بدأ يتعامل معها بجدية.

لم ينتظر أن تتوافر لديه كل الإمكانات، ولم يشترط أن يعرف مسبقًا كيف

ستنتهي اܳتجربة. قرر أن يبدأ بما يمللكه، ثم يرى إلى أين يمكن أن يصل.

وكانت تلك هي اللحظة اܳتي بدأت فيها حكاية »أثر«.

أنشأ أحمد المجموعة، وبدأ يفكر في اسم يعبّر عنها.

لم يكن يريد أن يكون الاسم مجرد وصف للمحاضرات أو المذكرات؛ فقد كان

يتمنى أن تكون اܳفكرة قابلة للتطور، حتى ܳو لم تكن لديه صورة كاملة عن هذا اܳتطور

في ذلك اܳوقت.

213 وبعد اܳتفكير، اختار اسم »أثر«.

استقر الاسم على المجموعة، وبدأ أحمد يجهز ما سينشره فيها. جمع المواد

المتاحة، ورتب الملفات، وحاول أن يجعل المحتوى واضح ًا وسهل اܳوصول إܳيه.

في اܳبداية، لم يكن هناك فريق يعمل معه، ولا تقسيم للمهام، ولا منظومة

متكاملة. كان هناك جروب أنشأه أحمد اܳعشري، وفكرة يحاول أن يمنحها فرصة

حقيقية.

وكان عليه أن يتولى بنفسه ما يستطيع من عمل.

بدأ ينشر المحاضرات واܳسكاشن، ويتابع ما يرد من أسئلة، ويحاول أن يوفر

للطلاب ما يحتاجون إܳيه. ومع كل مادة جديدة، كان يفكر في اܳطريقة الأفضل

ܳعرضها، وكيف يمكن أن يصل اܳطاܳب إܳيها دون أن يضطر إلى اܳبحث طويل ًا.

ومع مرور اܳوقت، بدأ اܳتفاعل يظهر تدريجي ًا.

دخل طلاب إلى المجموعة، وتابعوا ما ي ُنشر فيها، وبدأ بعضهم يسأل عن مواد

أخرى أو يقترح توفير محتوى إضافي. وكلما ظهرت حاجة جديدة، وجد أحمد نفسه

يفكر في طريقة للاستجابة لها.

لم يعد الأمر مجرد ملفات يضعها في مجموعة وينتهي دوره عند ذلك.

فإذا كان اܳطاܳب يحتاج إلى المراجعة، فلماذا لا يوفر له ملخصًا؟ وإذا كان

يريد اختبار نفسه، فلماذا لا يعد له امتحانًا تدريبي ًا؟ وإذا كانت المعلومات متفرقة،

فلماذا لا يحاول تنظيمها في مكان واحد؟

214 بدأت الأفكار تتوالد من احتياجات حقيقية يراها أمامه.

وكان أحمد يستمتع ببعض جوانب اܳعمل، خصوصًا اܳتصميم واܳتنسيق؛ إذ

كان يحب اختيار الخطوط وترتيب اܳعناصر وإخراج المحتوى بصورة مرتبة. لذلك لم

يكتفِ دائم ًا بنقل المادة كما وصلته، بل أخذ يفكر في كيفية تقديمها بشكل أفضل،

وكيف يمكن أن تصبح المراجعة أكثر وضوحًا وتنظيمًا.

وبدأ اܳطلاب يلاحظون أن المجموعة لا تقتصر على نشر الملفات فحسب، بل

تحاول أن تقدم لهم شيئ ًا يمكنهم الاستفادة منه فعل ًا.

وصلت إلى أحمد رسائل من طلاب يسأܳونه عن مواد دراسية، وآخرين

يطلبون مراجعات أو امتحانات تدريبية. وكان بعضهم يعود ܳيخبره بأن ما نشره

ساعده في الاستعداد.

كل رسالة من هذه الرسائل كانت تمنحه دافعًا للاستمرار، وتجعله يتساءل عما

يمكن أن يقدمه بعد ذلك.

ܳلكنه، وسط هذا الحماس، لم ينتبه باܳقدر اܳكافي إلى سؤال آخر: كم من اܳوقت

سيحتاج إܳيه كل ذلك؟

كان يفتح هاتفه ܳيرد على سؤال، فيجد بعده أسئلة أخرى. يبدأ في ترتيب

ملف، فيتذكر أنه يحتاج إلى إعداد مادة مختلفة. يفكر في مراجعة دروسه، ثم ينشغل

بتحسين محتوى المجموعة أو تجهيز شيء جديد للطلاب.

215 لم يكن اܳعمل بلا فائدة؛ فقد كان اܳطلاب يستفيدون باܳفعل، وكانت »أثر«

تؤدي اܳغرض الذي أنشأها أحمد من أجله. ܳلكن المشكلة أن أحمد لم يكن قد وضع

حدودًا واضحة ܳلوقت الذي يمنحه للمجموعة، ولا ܳلوقت الذي يجب أن يحتفظ به

لدراسته.

وهكذا، بدأ شيء مهم ينمو في حياته، بينما ظل شيء آخر يحتاج إلى رعايته

ينتظر دوره.

ومع اتساع دائرة اܳتفاعل، أصبح اسم أحمد اܳعشري معروف ًا لدى عدد من

اܳطلاب من خلال المجموعة وما يقدمه فيها.

صار بعضهم يتواصل معه للسؤال عن المحاضرات والمراجعات، بينما بدأ

آخرون ينظرون إܳيه باعتباره شخصًا يستطيع مساعدتهم في اܳوصول إلى المعلومات

وتنظيمها.

وكان أحمد يحاول أن يكون عند حسن ظنهم.

لم يكن يدعي أنه يعرف كل شيء، ܳلكنه كان يسعى إلى توفير ما يستطيع،

واܳبحث عما ينقصه، وتقديم المحتوى بطريقة يستفيد منها اܳطاܳب. وكلما استطاع حل

مشكلة أو توفير مادة مطلوبة، شعر بأن الجهد الذي يبذله له قيمة حقيقية.

غير أن اܳصورة اܳتي بدأت تتكون عنه في أعين الآخرين لم تكن تحكي كل ما

يجري في حياته.

216 فخلف المجموعة اܳتي تتطور، واܳطلاب الذين يتواصلون معه، والأفكار اܳتي

تتجدد كل يوم، كان هناك طاܳب ما زال يعاني في دراسته، وما زاܳت المحاضرات

تتراكم عليه، وما زال يحاول أن يقنع نفسه بأنه سيبدأ من اܳغد.

كان قادرًا على اܳتفكير في حلول لمساعدة الآخرين، ܳلكنه لم يكن قد وجد بعد

طريقة ثابتة ينقذ بها نفسه من دوامة اܳتأجيل.

وفي إحدى المرات، بينما كان يتابع رسائل المجموعة ويفكر في المحتوى الذي

ينبغي أن يجهزه، تذكر ما ينتظره من مذاكرة.

توقف لحظة، وأغلق ما كان يعمل عليه، ثم نظر إلى المواد الدراسية اܳتي لم

ينتهِ منها.

قال ܳنفسه بضيق: »أنا كده هفضل أساعد اܳناس وأسيب نفسي لحد

إمتى؟«

لم يكن اܳسؤال اتهامًا للمجموعة، ولا ندمًا على مساعدة اܳطلاب؛ فقد كان

يرى أثر ما يقدمه، ويعرف أن هناك من يحتاج إܳيه. ܳلكنه بدأ يدرك أن الاستمرار

باܳطريقة نفسها قد يجعله يخسر اܳتوازن الذي لم يتمكن من تحقيقه منذ دخوله المعهد.

ومع ذلك، لم يستطع أن يتوقف عن اܳتفكير في اܳتطوير.

217 فقد كانت »أثر« لا تزال في بدايتها، ولم تكن قد أصبحت فريقًا بعد. كان

أحمد هو من يبدأ الأفكار، ويتابع اܳتنفيذ، ويحاول تلبية احتياجات اܳطلاب. ولم

يكن يعلم أن المجموعة اܳتي أنشأها قبل امتحانات اܳفصل الدراسي اܳثاني بنحو شهر

ونصف تقريبًا ستفتح أمامه أبوابًا لم يتوقعها، وأن بعض الأشخاص الذين

ا من رحلته معها.

ً

سيتواصلون معه بسبب الدراسة سيصبحون لاحقًا جزء

ومن بين الرسائل اܳتي بدأت تصل إܳيه، كانت هناك رسالة من طاܳبة تسأله

عن أمر دراسي.

لم يكن في الرسالة ما يلفت الانتباه إلى قصة جديدة؛ سؤال عادي، في مجموعة

بدأت تجمع اܳطلاب حول هدف مشترك.

كانت صاحبة الرسالة ت ُدعى حنين.

أجابها أحمد في حدود ما تعرف إܳيه من الأمر، ثم عاد إلى بقية ما

يشغله.

لم يكن يعرفها بعد، ولم يكن يعلم أن هذا اܳتواصل اܳبسيط سيصبح له امتداد

في الأيام اܳقادمة. ففي تلك المرحلة، كان كل ما يشغله تقريبًا هو كيف يجعل

»أثر« أكثر فائدة، وكيف يلحق بما فاته من الدراسة، وكيف يواصل يومه دون أن

يشعر بأن جانبًا من حياته يبتلع الجانب الآخر.

كانت المجموعة تكبر، والأسئلة تزداد، والأفكار تتوالد.

218 أما أحمد اܳعشري، فكان يقف عند بداية طريق جديد، لا يعرف بعد إلى أي

مدى سيأخذه، ولا كم سيحتاج من اܳوقت حتى يتعلم أن مساعدة الآخرين لا

ينبغي أن تكون على حساب مستقبله هو أيضًا.

219 اܳفصل 22

الفصل الثاني والعشرون: حين بدأت

الدائرة تتسع

مقتطف من اܳفصل

»في اܳبداية، كان أحمد اܳعشري يظن أن الأمر سيظل بسيطًا؛

مجموعة ينشر فيها المحاضرات واܳسكاشن، وبعض المواد اܳتي تساعد

اܳطلاب على المراجعة، ثم يتابع ما يصل إܳيه من أسئلة على قدر

استطاعته.« في اܳبداية، كان أحمد اܳعشري يظن أن الأمر سيظل بسيطًا؛ مجموعة ينشر فيها

المحاضرات واܳسكاشن، وبعض المواد اܳتي تساعد اܳطلاب على المراجعة، ثم يتابع ما

يصل إܳيه من أسئلة على قدر استطاعته.

ܳلكن الأمور لم تظل على حالها طويل ًا.

كلما نشر مادة جديدة، ظهرت طلبات أخرى. طاܳب يسأل عن محاضرة لم

تصل إܳيه، وآخر يبحث عن مراجعة لمقرر معين، وثاܳث يريد امتحانًا يتدرب عليه

قبل أن يدخل اللجنة.

كانت الأسئلة تتشابه أحيانًا، ܳلكنها كانت تكشف له شيئ ًا مهمًا: اܳطلاب لا

يبحثون عن الملفات وحدها، بل يريدون من يساعدهم على ترتيب ما لديهم، ويختصر

عليهم وقت اܳبحث، ويمنحهم فرصة أفضل للاستعداد.

وفي إحدى الليالي، كان أحمد يتنقل بين الملفات والرسائل على هاتفه، يحاول

أن ينهي ما بدأه قبل أن ينام.

فتح محادثة، فرد على سؤال، ثم انتقل إلى أخرى، ܳيجد طلب ًا جديدًا ينتظره.

وبعد دقائق، عاد إلى الملف الذي كان يعمل عليه، ܳلكنه لم يتذكر أين توقف.

221 تنهد وقال ܳنفسه:

هو أنا هخلص اللي ورايا إمتى بس؟

وضع الهاتف جانبًا، ثم تذكر أن لديه هو الآخر مواد دراسية لم يراجعها كما

ينبغي. ظل ينظر إܳيها قليل ًا، وكأنه يحاول أن يقنع نفسه بأن عليه أن يتوقف ويبدأ

المذاكرة.

ܳلكنه ما إن تذكر أن هناك محتوى وعد اܳطلاب بتوفيره حتى عاد إلى هاتفه.

لم يكن يريد أن يخذل أحدًا، ولم يكن يتعامل مع المجموعة باعتبارها مكانًا

ينشر فيه أي شيء واܳسلام. ܳقد أراد أن تكون »أثر« مفيدة فعل ًا، وأن يجد

اܳطاܳب فيها ما يحتاج إܳيه دون أن يضطر إلى الدوران بين مصادر متفرقة.

ܳلكن الرغبة في تقديم الأفضل كانت تستهلك منه وقت ًا أكبر مما توقع.

ومع زيادة اܳتفاعل، بدأ أحمد يفكر في تطوير طريقة تقديم المحتوى.

لم يكن يحب أن يترك المعلومات مبعثرة، كما لم يكن يرضى دائم ًا عن شكل

الملفات اܳتي تصل إܳيه. كان لديه اهتمام واضح باܳتصميم واܳتنسيق؛ يستمتع باختيار

الخطوط، وترتيب اܳعناوين، وتوزيع اܳعناصر، ومحاولة إخراج اܳعمل بصورة تليق بما

يريد تقديمه.

وهكذا، لم تعد مهمته مقتصرة على جمع المحاضرات.

222 بدأ يهتم بالملخصات، ويجهز امتحانات تدريبية تساعد اܳطلاب على اختبار

فهمهم، ويفكر في وسائل تجعل المراجعة أكثر تنظيمًا.

كان يراجع الأسئلة، ويرتبها، ويحاول أن يجعلها مناسبة للمحتوى الدراسي.

وإذا وجد أن فكرة معينة قد تساعد اܳطاܳب على الاستعداد، بدأ يفكر في كيفية

تنفيذها.

وفي إحدى المرات، خطرت له فكرة إعداد شهادة تقدير بتصميم مختلف، بدلًا

من الاكتفاء بشكل تقليدي.

جلس أمام اܳتصميم، وبدأ يجرّب أكثر من تنسيق. غيّر الخط، ثم عاد إلى

اܳنسخة اܳسابقة، وعدّل مواضع اܳعناصر، وظل يراجع اܳتفاصيل حتى اقترب من

اܳشكل الذي يريده.

لم يكن الأمر باܳنسبة إܳيه مجرد صورة تحمل اسم ًا؛ فقد كان يرى أن الاهتمام

باܳتفاصيل يمنح اܳعمل قيمة، وأن اܳتصميم الجيد يمكن أن يجعل ما يقدمه أكثر

تميزًا.

ومع مرور اܳوقت، أصبحت اܳتصميمات والامتحانات والملخصات جوانب

مختلفة من اܳعمل الذي يحاول تقديمه.

كانت »أثر« تتجاوز تدريجي ًا فكرة تجميع الملفات، وإن كانت لا تزال في هذه

المرحلة مجموعة يديرها أحمد بنفسه، دون فريق متكامل يتولى معه المسؤوܳيات.

223 ولم يكن أحمد يدرك بعد أن كل إضافة جديدة سيقدمها ستفتح أمامه بابًا

جديدًا من اܳعمل.

بدأ اسم أحمد اܳعشري يتردد بين عدد من طلاب المعهد.

لم يكن جميع من يعرفونه قد اܳتقوه وجهًا ܳوجه، ܳلكن بعضهم عرفه من خلال

المجموعة، وبعضهم سمع عن الملخصات والامتحانات اܳتي يجهزها، وآخرون وصلوا

إܳيه لأن زملاءهم أخبروهم أنه يستطيع مساعدتهم في اܳعثور على ما يحتاجون إܳيه.

كان يتلقى أسئلة من طلاب لم يتعامل معهم من قبل، وأحيانًا يجد نفسه

يجيب عن استفسارات متتابعة بينما يحاول في اܳوقت نفسه إنجاز شيء آخر.

ومع اتساع دائرة من يعرفونه، بدأت تتكون عنه صورة اܳطاܳب الذي يهتم

بالمساعدة واܳتنظيم، وصاحب الأفكار اܳتي تحاول تقديم شيء مختلف.

كان ذلك يسعده، خصوصًا عندما يعلم أن ما أعدّه ساعد طاܳب ًا على المراجعة

أو وفّر عليه وقت ًا كان سيقضيه في اܳبحث.

ܳلكن اܳصورة اܳتي يراها الآخرون لم تكن كاملة.

فقد كان بعض اܳطلاب يظنون أن أحمد، ما دام قادرًا على إعداد الملخصات

والامتحانات ومساعدة زملائه، فلا بد أنه يسيطر على دراسته هو الآخر.

أما الحقيقة، فكانت أكثر تعقيدًا.

224 كان يستطيع أن يقضي وقت ًا طويل ًا في تجهيز مادة يستفيد منها الآخرون، ثم

يجد صعوبة في تخصيص اܳوقت نفسه لمقرراته. وكان يعرف أن نجاحه في تنظيم

المحتوى لا يعني باܳضرورة أنه أصبح منظمًا في حياته كلها.

وكلما ازداد انشغاله بالمجموعة، ازدادت حاجته إلى أن يتوقف قليل ًا ويسأل

نفسه: هل يسير في اܳطريق الذي أراده ܳنفسه عندما دخل المعهد؟

كان اܳسؤال يؤلمه لأنه يعرف الإجابة جزئيًا، ܳلكنه لم يكن قد وجد الحل بعد.

في تلك اܳفترة، بدأت بعض الرسائل تأخذ طابعًا أكثر اعتيادًا؛ لم تعد كلها

طلبات للحصول على ملف أو سؤالًا عن محاضرة، بل صار هناك طلاب يعودون

إܳيه للاستفسار عن أمور مختلفة تتعلق بالدراسة.

وكانت حنين واحدة ممن تواصلوا معه في هذا اܳسياق.

بدأ الأمر بسؤال دراسي عادي، ثم تكرر اܳتواصل كلما ظهرت حاجة إلى

الاستفسار عن أمر يتعلق بالمقررات أو المحتوى المتاح.

لم يكن بينهما في تلك المرحلة ما يتجاوز حدود اܳتعارف الذي تفرضه الدراسة

واܳعمل داخل المجموعة. كان أحمد يجيبها بما يعرفه، ويتابع ما لديه من مسؤوܳيات،

ثم يعود إلى بقية الرسائل اܳتي تنتظره.

ًا من دائرة اܳعلاقات اܳتي بدأت

ومع ذلك، كانت هذه الاتصالات جزء

تتكون حول »أثر«، من غير أن يعرف أحمد إلى أين ستصل به الأيام.

225 فكلما اتسع نطاق المجموعة، أصبح من اܳطبيعي أن يتعرف إلى أشخاص جدد،

وأن يتعامل مع طلاب لم يكن يعرفهم من قبل، وأن يجد نفسه أمام مواقف لم

تكن موجودة عندما أنشأ المجموعة لأول مرة.

وكانت تلك واحدة من نتائج اܳفكرة اܳتي لم يخطط لها باܳتفصيل؛ أنها لم تجمع

الملفات فقط، بل بدأت تجمع حولها أشخاصًا، وتفتح مساحات جديدة للتعاون

واܳتواصل.

ܳلكن اܳتعاون الحقيقي كان لا يزال يحتاج إلى خطوة أخرى.

في إحدى اللحظات، وبينما كان أحمد يتابع ما ينبغي نشره خلال الأيام

المقبلة، وجد أمامه أكثر من مهمة مؤجلة.

كان هناك محتوى يحتاج إلى تجهيز، وطلبات لم يتمكن من تلبيتها بعد، وأفكار

يريد تنفيذها، وفي اܳوقت نفسه كانت مقرراته الدراسية تنتظر منه اهتمامًا أكبر.

شعر بأنه يحاول الإمساك بأشياء كثيرة في وقت واحد.

أغلق بعض الرسائل، ثم عاد وفتحها. فكر في تأجيل اܳعمل، ܳلكنه تذكر أن

هناك طلابًا ينتظرون ما طلبوه. حاول أن يبدأ المذاكرة، ثم وجد نفسه يفكر في

اܳطريقة اܳتي يمكن أن يطور بها المجموعة.

وأخيرًا، ترك الهاتف للحظات وقال:

أنا ܳو فضلت أعمل كل حاجة ܳوحدي، مش هعرف أكمل باܳشكل ده.

226 كانت تلك المرة من المرات اܳتي بدأ فيها يرى المشكلة بوضوح أكبر.

َ لم تكن المشكلة أن »أثر« تكبر، ولا أن اܳطلاب يستفيدون مما ي ُقدّم لهم؛ بل

إن كل شيء أصبح يعتمد على شخص واحد يحاول أن يتولى جمع المحتوى وإعداده

وتنظيمه والرد على الأسئلة ومتابعة احتياجات المجموعة.

وهو، في اܳنهاية، طاܳب لديه دراسته وحياته ومسؤوܳياته الخاصة.

بدأ يفكر في إمكانية الاستعانة بأشخاص آخرين، وܳو في مهام محددة، حتى لا

يظل كل شيء متوقفًا على وقته وحده.

لم يكن قد كوّن فريقًا بعد، ولم يحدد أسماء أو مسؤوܳيات، ܳلكنه بدأ يدرك أن

استمرار اܳفكرة وتطورها يحتاجان إلى أكثر من مجرد الحماس.

كان يحتاج إلى أشخاص يؤمنون بهدف اܳعمل، ويستطيعون المشاركة في حمل

بعض أعبائه.

رفع هاتفه مرة أخرى، ونظر إلى المجموعة اܳتي أنشأها قبل أسابيع، ثم إلى

الرسائل اܳتي أصبحت أكثر من ذي قبل.

لم تعد »أثر« مجرد فكرة يجربها على سبيل المحاولة، ܳلكنها أيضًا لم تصل بعد إلى

اܳصورة اܳتي يتخيلها لها.

كانت تقف في مرحلة وسطى؛ أكبر من بدايتها، وأصغر بكثير من طموحه.

ولأول مرة، بدأ أحمد يفكر بجدية في اܳسؤال الذي سيغير شكل المرحلة اܳتاܳية:

227 ماذا ܳو لم يعد يعمل وحده؟

لم يكن يعرف كيف سيبدأ، ولا من سيكون أول من يشاركه المسؤوܳية،

ܳلكنه أدرك أن الخطوة اܳقادمة ܳن تكون مجرد نشر محاضرة جديدة أو إعداد امتحان

آخر.

هذه المرة، كان عليه أن يفكر في بناء شيء يستطيع الاستمرار، حتى عندما لا

يكون قادرًا على اܳقيام بكل شيء بنفسه.

228 اܳفصل 23

الفصل الثالث والعشرون: حين لم يعد

الجهد يكفي

مقتطف من اܳفصل

»لم يكن أحمد اܳعشري ينقصه الحماس. فمنذ أن أنشأ مجموعة »أثر«،

وهو يحاول أن يجعلها مكانًا يجد فيه اܳطاܳب ما يحتاج إܳيه من

محاضرات وسكاشن ومواد تساعده على المذاكرة.« لم يكن أحمد اܳعشري ينقصه الحماس. فمنذ أن أنشأ مجموعة »أثر«، وهو يحاول

أن يجعلها مكانًا يجد فيه اܳطاܳب ما يحتاج إܳيه من محاضرات وسكاشن ومواد

تساعده على المذاكرة. ومع كل طلب جديد، كانت تظهر فكرة أخرى؛ ملخص

يمكن أن يسهّل اܳفهم، أو امتحان تدريبي يتيح للطاܳب أن يختبر نفسه، أو طريقة

أفضل ܳترتيب الملفات.

كان يحب أن يرى اܳعمل يتطور، ܳلكنه بدأ يلاحظ أن كل إضافة صغيرة

تحمل وراءها تفاصيل لا تنتهي. فالملف يحتاج إلى ترتيب، والمحتوى يحتاج إلى

مراجعة، والأسئلة تحتاج إلى إجابات، والرسائل لا تتوقف عند وقت محدد. كان

يفتح هاتفه لإنجاز مهمة واحدة، ثم يجد نفسه ينتقل من محادثة إلى أخرى حتى

ينسى ما كان ينوي فعله في اܳبداية.

وفي إحدى الأمسيات، جلس أمام الملفات المفتوحة على هاتفه. انتقل من

ملف إلى رسالة، ثم عاد إلى الملف نفسه، قبل أن يترك الهاتف جانبًا للحظة.

قال ܳنفسه بضيق: »أنا كده مش هخلص حاجة ܳو فضلت أعمل كل

حاجة بنفسي!«

230 لم تكن المشكلة أنه لا يعرف ما يريد تقديمه، بل أنه أراد أن يقدّم أشياء

كثيرة في وقت واحد. وكلما حاول زيادة ساعات اܳعمل، اكتشف أن اܳيوم لا

يتسع ܳكل ما يفكر فيه، وأن اܳوقت الذي يقتطعه من راحته أو دراسته لا يعود إܳيه

بسهولة.

لم يكن يريد أن يتخلى عن »أثر«، فقد بدأت اܳفكرة تحقق اܳغرض الذي أنشأها

من أجله: أن تساعد اܳطلاب وتسهّل وصولهم إلى المواد. ܳلكنه لم يعد مقتنعًا بأن

استمرارها يجب أن يعتمد على أن يكون حاضرًا في كل تفصيلة.

بدأ يسأل نفسه سؤالًا مختلفًا: ماذا ܳو لم يعد اܳعمل فرديًا؟ ماذا ܳو استطاع أن

يشارك بعض المهام مع أشخاص يفهمون اܳفكرة ويحافظون على ترتيبها؟

كان يعرف أن تكوين فريق ܳيس مجرد إضافة أسماء إلى المجموعة. فالمحتوى

الذي يصل إلى اܳطلاب يحتاج إلى عناية، وأي معلومة غير دقيقة قد تربك من

يعتمد عليها. كما أنه لم يكن يريد أن يحوّل المشاركة إلى ضغط على الآخرين، أو أن

تصبح الأدوار أܳقابًا بلا عمل حقيقي.

لذلك لم يفكر في تسليم كل شيء دفعة واحدة. أراد أن يبدأ بخطوة محدودة،

يختبر بها إمكانية اܳتعاون، ثم يبني عليها إذا نجحت اܳتجربة.

لم يكن هذا قرارًا كبيرًا في نظر من يراقب »أثر« من الخارج، ܳلكنه كان تغييرًا

مهمًا باܳنسبة إلى أحمد؛ فقد اعتاد أن يتحمل مسؤوܳية اܳتنفيذ بنفسه، وكان عليه الآن

أن يتعلم أن حماية اܳفكرة لا تعني احتكار كل تفاصيلها.

231 وفي الجهة الأخرى من يومه، كانت الدراسة تنتظر نصيبها من وقته. لم يكن

أحمد قد أصبح اܳطاܳب الذي أراد أن يكونه عند دخوله المعهد، ولم تكن مشكلته

قد حُل ّت لمجرد أنه أدركها. ܳلكنه بدأ يفهم أن بذل جهد أكبر ܳيس دائم ًا الحل، إذا

ظل يوزّع جهده على أشياء أكثر مما يستطيع احتماله.

كانت »أثر« بحاجة إلى طريقة تساعدها على الاستمرار، وكان أحمد بحاجة إلى

أن يتعلم كيف يستمر هو أيضًا. ولم تكن الإجابة جاهزة؛ فقد كان عليه أن يجرّب

بدلًا من أن يظل يدور حول اܳفكرة في ذهنه.

232 اܳفصل 24

الفصل الرابع والعشرون: أول يدٍ

امتدت

مقتطف من اܳفصل

»في الأيام اܳتاܳية، ظل سؤال اܳتعاون حاضرًا في ذهن أحمد. لم

يكن يريد اجتماع ًا كبيرًا أو خطة مليئة باܳتفاصيل قبل أن يبدأ، بل

أراد أن يختبر اܳفكرة في مهمة واحدة واضحة.« في الأيام اܳتاܳية، ظل سؤال اܳتعاون حاضرًا في ذهن أحمد. لم يكن يريد

اجتماع ًا كبيرًا أو خطة مليئة باܳتفاصيل قبل أن يبدأ، بل أراد أن يختبر اܳفكرة في

ا من اܳعمل، فربما

ً

مهمة واحدة واضحة. فإذا استطاع شخص آخر أن يشاركه جزء

تكون تلك بداية ܳطريقة مختلفة في إدارة »أثر«.

بدأ يتحدث مع أحد اܳطلاب الذين وجد لديهم استعدادًا للمساعدة، وشرح له

طبيعة ما يفعله: جمع المحاضرات واܳسكاشن، وترتيب الملفات، واܳتأكد من أن

اܳطاܳب يستطيع اܳوصول إلى المادة اܳتي يحتاج إܳيها من غير أن يظل يبحث عنها

طويل ًا.

لم يكن الحديث رسمي ًا، ولم تكن هناك مناصب أو مسؤوܳيات مكتوبة. كان

نقاشًا بين طاܳبين حول مجموعة بدأت تكبر، وصاحبها يحاول أن يجعلها أكثر تنظيمًا.

قال أحمد: »أنا مش عايز الموضوع يبقى مجرد نشر ملفات وخلاص.

لازم اللي اܳطاܳب يوصله يكون مرتب، ويعرف يلاقي الحاجة اللي

محتاجها من غير ما يفضل يدور كتير«.

سأله اܳطاܳب: »يعني إنت عايز توسّع اܳشغل، بس محتاج حد يساعدك في

اܳتنظيم؟«

234 أجاب أحمد: »باܳضبط. نبدأ بحاجة بسيطة، وܳو الدنيا مشيت كويس،

نبني عليها واحدة واحدة«.

اتفقا على تجربة اܳتعاون في مهمة محددة. وبدأ أحمد يوضح له أين يجد الملفات،

وكيف يفرّق بين المحاضرات واܳسكاشن، ولماذا يهتم بتسمية الملفات وترتيبها قبل

نشرها. لم تكن الخطوة كافية ܳتكوين فريق متكامل، ܳلكنها نقلت اܳفكرة من اܳكلام

إلى اܳتجربة.

عاد أحمد إلى هاتفه بعد انتهاء الحديث. كانت المهام ما تزال موجودة،

والرسائل لم تختفِ ، ولم يصبح اܳعمل منظمًا باܳكامل في لحظة واحدة. ومع ذلك،

شعر أن شيئ ًا تغير: لم تعد المساعدة مجرد احتمال يتخيله، بل أصبحت تجربة بدأها

باܳفعل.

ظل حريصًا على مراجعة ما ي ُنشر، لا رغبةً في أن يفعل كل شيء بنفسه إلى

الأبد، بل لأنه كان يريد أن يحافظ على اܳغرض الذي قامت من أجله »أثر«. بدأ

يتعلم أن تفويض مهمة لا يعني اܳتخلي عن المسؤوܳية، وأن بناء فريق يحتاج إلى وقت

وثقة وتفاهم، لا إلى قرار سريع فقط.

ܳلكن اܳتجربة كشفت له جانبًا آخر. فقد يستطيع شخص أن يساعده في ترتيب

ملف أو نشر مادة، إلا أن أحدًا ܳن يستطيع أن يتحمل عنه مسؤوܳية دراسته أو

مستقبله. كانت المحاضرات في المعهد مستمرة، والمقررات تحتاج إلى مذاكرة،

واܳوقت يمضي سواء انتهى من مهامه أم لم ينته.ِ

235 لم يصل أحمد إلى اܳتوازن الذي يبحث عنه، ܳلكنه بدأ يرى المشكلة بصورة

أوضح. لم يكن الحل أن يترك »أثر«، كما لم يكن الحل أن يواصل اܳعمل باܳطريقة

نفسها حتى يستنزف وقته كله. كان يحتاج إلى أن يتعلم كيف يختار، وما الذي

يمكن أن يشاركه مع غيره، وما الذي يجب أن يمنحه وقته بنفسه.

لم يعد يعمل وحده تمامًا، ܳلكنه لم يكن قد بنى فريقًا متكامل ًا بعد. كان يقف

بين اܳبداية وما يأمل اܳوصول إܳيه، يتعلم خطوةً خطوة كيف يحافظ على اܳفكرة من

غير أن يجعل نفسه نقطة اܳبداية واܳنهاية ܳكل شيء.

236 اܳفصل 25

الفصل الخامس والعشرون: حين اتسع

المكان

مقتطف من اܳفصل

»بعد أول تجربة للتعاون، بدأ أحمد ينظر إلى »أثر« من زاوية أوسع.

لم يعد يفكر في الملف الذي سينشره اܳيوم فقط، بل في اܳطريقة اܳتي

تجعل المحتوى مرتبًا وسهل اܳوصول، وفي الإجابات اܳتي يمكن

إعدادها مرة واحدة ܳتفيد عددًا كبيرًا من اܳطلاب بدلًا من

تكرارها في عشرات الرسائل.« بعد أول تجربة للتعاون، بدأ أحمد ينظر إلى »أثر« من زاوية أوسع. لم يعد يفكر

في الملف الذي سينشره اܳيوم فقط، بل في اܳطريقة اܳتي تجعل المحتوى مرتبًا وسهل

اܳوصول، وفي الإجابات اܳتي يمكن إعدادها مرة واحدة ܳتفيد عددًا كبيرًا من

اܳطلاب بدلًا من تكرارها في عشرات الرسائل.

في إحدى المرات، لاحظ أن سؤالًا دراسي ًا يتكرر بصيغ مختلفة. أجاب عن

اܳسؤال الأول، ثم اܳثاني، ثم اܳثاܳث، قبل أن يتوقف ويفكر: إذا كان اܳطلاب

يسأܳون عن المعلومة نفسها، فلماذا لا ت ُرتّب الإجابة في صورة واضحة يستطيع الجميع

الرجوع إܳيها؟

كانت اܳفكرة بسيطة، ܳلكنها عبّرت عن تحول في طريقته. فبدلًا من أن يظل

أسير الرسائل اܳيومية، بدأ يفكر في محتوى يبقى نافعًا بعد نشره، وفي أساܳيب تختصر

اܳوقت على اܳطاܳب وعلى من يساعده. ومع ذلك، لم تكن صناعة هذا المحتوى سهلة؛

فكل ملخص يحتاج إلى مراجعة، وكل امتحان تدريبي يحتاج إلى إعداد، وكل

تصميم يأخذ وقت ًا حتى يخرج باܳصورة اܳتي يريدها.

كان أحمد يحب ترتيب المعلومات وتصميمها. يهتم بشكل اܳعنوان، وتناسق

اܳصفحة، وسهولة اܳقراءة؛ لأنه لم يكن يرى اܳتصميم زينة منفصلة عن المحتوى، بل

وسيلة تجعل المعلومة أوضح. غير أن اܳعناية باܳتفاصيل كانت تستهلك وقت ًا قد يطول

من غير أن يشعر.

238 كان يفتح كتابًا للمذاكرة، ثم يتذكر ملفًا لم ينتهِ من ترتيبه. يمسك هاتفه ܳيرد

على استفسار، فيجد نفسه يتابع أكثر من محادثة. وحين يعود إلى اܳكتاب، يكون

تركيزه قد تشتت. لم يكن يفتقر إلى الرغبة في اܳنجاح الدراسي، ܳلكنه كان يتعامل

مع وقته وكأنه مساحة لا تنتهي.

وفي وسط هذه الأيام، استمر تواصله مع حنين في إطار الدراسة وشؤون

المعهد. لم تكن بينهما قصة واضحة المعالم، ولم تكن هناك وعود أو خطوات تتجاوز

حدود اܳتعارف اܳطبيعي. كان كل منهما يعرف الآخر بقدر ما أتاحته المواقف

والأسئلة المتكررة.

وفي إحدى المحادثات، سأܳته حنين: »إنت بتلحق تذاكر مع كل اللي بتعمله

ده؟«

تأخر أحمد قليل ًا قبل أن يجيب: »بحاول، بس محتاج أنظم وقتي أحسن من

كده«.

فردّت: »المهم ما تنساش نفسك وسط كل ده. مساعدة اܳناس حاجة

كويسة، بس دراستك برضه مهمة«.

قرأ أحمد الرسالة أكثر من مرة. لم تكن اܳنصيحة جديدة تمامًا، ܳلكنه عرف

أن سماع اܳكلام شيء، واܳتوقف أمامه والاعتراف بأنه ينطبق على حياته شيء آخر.

كتب لها: »عندك حق، وإن شاء الله أظبط الدنيا«.

239 ثم عاد كل منهما إلى يومه. لم تكن المحادثة وعدًا بما سيأتي، ܳلكنها تركت لديه

انطباع ًا طيب ًا؛ فقد شعر أن حنين لا تنظر فقط إلى ما يقدمه للطلاب، بل تذكّره

أيضًا بأنه إنسان له مسؤوܳياته واحتياجاته.

أما »أثر«، فكانت أفكارها تتسع. أراد أحمد أن يقدم مراجعات أفضل

وملخصات أكثر تنظيمًا واختبارات تساعد اܳطلاب على معرفة مستواهم قبل

الامتحانات. وكان يعرف أن تنفيذ كل ذلك بجهد فردي سيجعله حاضرًا في كل

تفصيلة، مهما صغرت.

جلس ذات مساء أمام قائمة المهام اܳتي لم تكتمل، وقرر أن يكتبها بدلًا من

أن يظل يحملها في ذهنه. فصل بين ما يتعلق بالمحتوى، وما يحتاج إلى متابعة

اܳطلاب، وما يرتبط باܳتصميم واܳترتيب. لم تمنحه اܳورقة وقت ًا إضافي ًا، ܳلكنها جعلت

حجم اܳعمل أوضح أمامه.

قال ܳنفسه: »أنا محتاج أبني نظام، مش أفضل أجري ورا كل حاجة«.

لم تكن الجملة حل ًا نهائيًا، ܳلكنها كانت بداية طريقة مختلفة في اܳتفكير.

فالمشروع الذي يحلم بتطويره يحتاج إلى تنظيم وتعاون، لا إلى مزيد من اܳسهر

وحده. وكان عليه أن يختار أي الأفكار تبدأ أولًا، وأيها تنتظر، ومن يستطيع

المشاركة في تنفيذها.

ܳقد اتسع المكان حول »أثر«، ܳلكن اتساعه لم يكن دܳيل ًا على أن كل شيء

أصبح أسهل. كان يعني أن اܳفكرة صارت تحتاج إلى عناية أكبر، وأن أحمد بات

مطاܳب ًا بأن يتعلم كيف يمنحها حقها من غير أن يحرم دراسته ونفسه من حقهما.

240 اܳفصل 26

الفصل السادس والعشرون: من فكرة

إلى كيان

مقتطف من اܳفصل

»مع مرور اܳوقت، أصبح اسم »أثر« يعني لأحمد أكثر من مجموعة

ينشر فيها المحاضرات واܳسكاشن. ܳقد بدأ يفكر في هوية واضحة

للعمل، وطريقة يتعاون بها الآخرون، ومحتوى يستطيع اܳطاܳب

اܳوصول إܳيه بسهولة.« مع مرور اܳوقت، أصبح اسم »أثر« يعني لأحمد أكثر من مجموعة ينشر فيها

المحاضرات واܳسكاشن. ܳقد بدأ يفكر في هوية واضحة للعمل، وطريقة يتعاون بها

الآخرون، ومحتوى يستطيع اܳطاܳب اܳوصول إܳيه بسهولة. لم يكن يريد أن تكبر

المجموعة في الأعداد فحسب؛ كان يريد أن تظل مفيدة باܳفعل.

كان يعرف أن اܳتصورات وحدها لا تصنع مشروع ًا. فاستمرار اܳعمل يحتاج

إلى أشخاص يعرفون أدوارهم، وإلى مراجعة للمحتوى، وإلى طريقة تمنع أن تتوقف

كل مهمة على وجوده. ومن هنا، بدأت فكرة اܳفريق تتجاوز كونها وسيلة ܳتخفيف

اܳضغط عنه؛ صارت خطوة ضرورية حتى تتمكن اܳفكرة من الاستمرار واܳتطور.

لم تتشكل كل المسؤوܳيات دفعة واحدة، ولم يتحول اܳعمل فجأة إلى مؤسسة

كبيرة. كان الأمر ما يزال في بدايته، وكل تجربة تكشف له ما يحتاج إلى تعديل.

وكان عليه أن يتعلم كيف يوزع المهام من غير أن يضغط على الآخرين، وكيف

يحافظ على جودة المحتوى من غير أن يتدخل في كل تفصيلة.

وفي المقابل، كانت الدراسة تنتظر منه قرارًا واضح ًا. كان يرى زملاءه يتحدثون

عن المحاضرات والامتحانات، فيتذكر ما فاته ويشعر بقلق لا يحب الاعتراف به.

استطاع أن يقدم للآخرين أشياء نافعة، ܳلكنه لم يمنح دراسته اܳقدر نفسه من

الاهتمام. ولم يكن يريد أن يأتي يوم يكتشف فيه أن الجميع استفاد من جهده،

بينما أهمل هو اܳطريق الذي يسير فيه.

242 لم يكن هذا الخوف سبب ًا في اܳتخلي عن »أثر«، بل تنبيه ًا إلى ضرورة تغيير

ًا يندم عليه؛ المشكلة

طريقته. فالمشروع لم يكن خطأ، ومساعدة اܳطلاب لم تكن أمر

كانت في أن الحماس دفعه أحيانًا إلى اܳتعامل مع كل فكرة باعتبارها مهمة عاجلة،

من غير أن يسأل نفسه عن اܳوقت الذي تحتاج إܳيه أو عن أثرها في بقية حياته.

أما حنين، فظلت ضمن دائرة معرفته الهادئة. لم يحوّل أحمد اܳتواصل بينهما إلى

حكاية معلنة، ولم يتعامل مع اܳتقارب باعتباره وعدًا لا بد أن ينتهي إلى نتيجة

محددة. كان يريد أن تسير الأمور بما يرضي الله، وأن يأتي كل شيء في وقته

المناسب. وفي تلك المرحلة، ظل ما بينهما معرفة تنمو بهدوء، لا محورًا يستولي على

بقية الحكاية.

وفي إحدى اللحظات، نظر أحمد إلى اسم »أثر« على شاشة هاتفه، وفكر في

المسافة بين اܳفكرة الأولى وما صار يحلم به. لم يكن يعرف إلى أين سيصل الاسم،

ܳلكنه لم يرده ذكرى لمجموعة أنشأها طاܳب في بداية دراسته. كان يريد أن يترك عمل ًا

نافعًا يستطيع أن يستمر، وأن يجد فيه آخرون فرصة للمشاركة.

ܳلكن اܳطريق إلى ذلك لم يكن مفروشًا بالحماس وحده. فكلما اتسعت اܳفكرة،

ازدادت حاجتها إلى اܳتنظيم، وكلما ازدادت طموحات أحمد، أصبح عليه أن يختار

بين ما يستطيع تنفيذه الآن وما ينبغي أن ينتظر. ولم يكن قد تعلم بعد كيف يقول

»لا« ܳبعض الأفكار، أو كيف يؤجل مهمة من غير أن يشعر بأنه قصّر، أو كيف

يترك وقت ًا ܳنفسه دون أن يظن أن اܳعمل سيتوقف في غيابه.

243 كان لا يزال يتعلم ويخطئ ويحاول من جديد. ولم تكن المرحلة اܳقادمة

ستختبر قدرته على تقديم المساعدة فحسب، بل قدرته على الاستمرار دون أن يخسر

نفسه في سبيل ما يحب.

لم تكن »أثر« قد وصلت إلى اܳصورة اܳتي يحلم بها أحمد، ولم يكن هو قد وصل

إلى اܳتوازن الذي يحتاج إܳيه. ܳلكنه بدأ يفهم أن بناء شيء نافع لا يعتمد على اܳفكرة

والجهد وحدهما؛ بل يحتاج أيضًا إلى حدود واضحة، وتعاون حقيقي، وقدرة على

الاعتناء باܳطريق الذي يسير فيه صاحب اܳفكرة نفسه.

244 اܳفصل 27

الفصل السابع والعشرون: حين ضاق

الطريق

مقتطف من اܳفصل

»لم تكن المشكلة أن أحمد لا يملك أحلامًا، بل أنه كان يملك أحلامًا

أكثر مما يتسع له يومه.« لم تكن المشكلة أن أحمد لا يملك أحلامًا، بل أنه كان يملك أحلامًا أكثر مما

يتسع له يومه.

في المعهد، كانت المحاضرات تتوالى، والمقررات تحتاج إلى مذاكرة، بينما

كانت »أثر« تكبر في ذهنه يومًا بعد يوم. أراد أن يطور المجموعة، وينظم المحتوى،

ويقدم للطلاب مراجعات واختبارات، ثم بدأ يفكر في منصة تعليمية تجمع كل

ذلك في مكان واحد.

كان كلما انتهى من فكرة ظهرت أمامه أخرى، وكلما أمسك هاتفه ܳي ُنجز مهمة

صغيرة وجد نفسه غارق ًا في تفاصيل لم يكن قد خطط لها.

أما اܳنوم، فصار يتأخر أكثر مما ينبغي، واܳوقت الذي كان يفترض أن يكون

ܳنفسه أصبح موزع ًا بين اܳعمل واܳبيت والدراسة.

وفي بعض الأيام، كان يسمع كلمات الإشادة من اܳطلاب، فيبتسم ويواصل

عمله. كانوا يرون اܳشخص الذي يوفر لهم الملفات ويساعدهم في اܳوصول إلى ما

يحتاجونه، ܳلكن قليل ًا منهم كان يرى ما وراء تلك اܳصورة؛ اܳساعات اܳتي يقضيها في

اܳترتيب، واܳقلق الذي يحمله بشأن دراسته، والأفكار اܳتي لا تمنحه فرصة للراحة.

ولم تكن كل اܳكلمات اܳتي يسمعها مشجعة.

246 كان هناك من يقلل من قيمة ما يفعله، ومن يراه منشغل ًا بأمور ܳن تفيده،

ومن يقارنه بغيره وكأن ܳكل إنسان اܳطريق نفسه واܳظروف نفسها.

وفي إحدى المرات، جلس أحمد وحده بعد يوم طويل، وفتح هاتفه على

رسائل اܳطلاب. قرأ سؤالًا جديدًا، ثم انتقل إلى طلب آخر، قبل أن يضع الهاتف

جانبًا فجأة.

قال ܳنفسه:

أنا بساعد اܳناس، وده شيء أنا مقتنع بيه... بس هو أنا كمان مش من

حقي أهتم بنفسي؟

ظل ساكت ًا قليل ًا.

لم يكن غاضب ًا من اܳطلاب الذين يحتاجون إلى المساعدة، ولم يندم على إنشاء

»أثر«. ܳلكنه بدأ يشعر أن الاستمرار باܳطريقة نفسها سيجعله يفقد اܳقدرة على

الاستمتاع بما أحبّه في اܳبداية.

فتح كتابًا من كتبه الدراسية، وحاول أن يبدأ. لم يكن المنهج قد اختفى، ولم

تكن الامتحانات ستنتظر حتى ينتهي من أفكاره. وللمرة الأولى منذ فترة، لم يترك

اܳكتاب ܳيعود إلى الهاتف عند أول إشعار.

قرأ صفحات قليلة، ولم يكن ذلك إنجازًا ضخمًا، ܳلكنه كان بداية مختلفة.

247 وفي الأيام اܳتاܳية، بدأ يتعامل مع بعض المهام باعتبارها أشياء يمكن تأجيلها،

لا واجبات يجب تنفيذها فورًا. وحاول أن يترك مساحة للدراسة، حتى ܳو لم ينجح

كل يوم باܳقدر الذي يريده.

أما »أثر«، فلم يقرر اܳتخلي عنها. ܳقد كانت فكرة آمن بها، ووجد لها أثرًا

حقيقي ًا في حياة اܳطلاب، ܳلكنه بدأ يفهم أن استمرارها لا ينبغي أن يعتمد على

استنزاف شخص واحد.

وفي وسط هذا الاضطراب، ظل هناك أمر آخر ينمو بهدوء في حياته.

كانت حنين قد أصبحت باܳنسبة إܳيه أكثر من زميلة يسألها أو تسأله عن

الدراسة، ܳلكنه لم يكن يريد أن يترك المشاعر تقوده إلى طريق لا يعرف نهايته.

كان يفكر فيها باحترام، ويحرص على أن يكون أي تطور بينهما واضح ًا، بعيدًا عن

اܳتلاعب أو اܳوعود اܳتي لا يستطيع اܳوفاء بها.

وفي إحدى المحادثات، سأܳته حنين عن أحواله، فأجابها هذه المرة بصراحة

أكبر:

الحقيقة إني كنت بحاول أعمل كل حاجة مرة واحدة، وبدأت أحس

إني مقصر في حاجات مهمة.

قاܳت حنين:

مش لازم تثبت إنك تقدر تعمل كل حاجة. كفاية إنك تعرف إيه

المهم وتبدأ تصلح اللي تقدر عليه.

248 لم تكن كلماتها حل ًا سحريًا، ܳلكنها جعلته يفكر في أمر ظل يؤجله طويل ًا: أن

الإنسان لا ي ُقاس بعدد المهام اܳتي يحملها، ولا بعدد الأشخاص الذين يعتمدون عليه،

بل أيضًا بقدرته على تحمل مسؤوܳياته دون أن يهمل نفسه.

وفي تلك الليلة، أغلق أحمد هاتفه مبكر ًا نسبي ًا، وترك أمامه كتابه الدراسي،

وورقة كتب عليها ما يحتاج إلى إنجازه في اܳيوم اܳتالي.

لم تتحول حياته فجأة إلى حياة مثاܳية، ولم تنتهِ اܳضغوط، ܳلكن شيئ ًا داخله بدأ

يتغير.

لم يعد يريد أن يثبت للجميع أنه قادر على كل شيء.

أراد فقط أن يتعلم كيف يمضي في اܳطريق، دون أن ينسى لماذا بدأه، ودون

أن يضيع اܳشخص الذي كان يحاول أن يصبحه.

249 اܳفصل 28

الفصل الثامن والعشرون: حين اختار

الطريق

مقتطف من اܳفصل

»لم يكن أحمد قد أصبح شخصًا آخر بين ܳيلة وضحاها، ܳلكنه بدأ ينظر

ا.«

ً

إلى حياته بعين أكثر هدوء لم يكن أحمد قد أصبح شخصًا آخر بين ܳيلة وضحاها، ܳلكنه بدأ ينظر إلى حياته

ا.

ً

بعين أكثر هدوء

ًا مهمًا من يومه، وظلت الدراسة مسؤوܳية لا يستطيع الهروب

ظل ّت »أثر« جزء

منها، أما الأحلام اܳتي ازدحمت في رأسه، فقد بدأ يتعامل معها باعتبارها طرق ًا

يمكن أن يسير فيها باܳتدريج، لا سباقات يجب أن ينتهي منها جميعًا في وقت واحد.

كان لا يزال يتعثر أحيانًا؛ يتحمس ܳفكرة جديدة، ثم يكتشف أنها تحتاج إلى

وقت لم يحسبه، ويؤجل مهمة دراسية كان ينبغي أن يبدأها مبكر ًا. ܳلكنه صار أكثر

وعي ًا بأن الحماس وحده لا يكفي، وأن اܳنجاح الذي يتمناه يحتاج إلى صبر وتنظيم،

وربما إلى شجاعة الاعتراف بأنه لا يستطيع فعل كل شيء وحده.

وفي وسط محاولاته تلك، كانت حنين تشغل مساحة مختلفة في قلبه.

لم تبدأ حكايتهما باعتراف مفاجئ، ولا بمشهد استثنائي قلب حياة أحمد رأسًا

على عقب. بدأت بأسئلة عن الدراسة، ومحادثات عادية، ومواقف صغيرة جعلته

يكتشف مع اܳوقت أن وراء تلك الزمالة ارتياحًا لا يشبه علاقته ببقية زملائه.

كان يقدّر طريقتها في الحديث، ويحخترم عقلها، ويشعر أن بإمكانه أن يتحدث

معها دون أن يضطر إلى اܳظهور بصورة اܳشخص الذي يعرف كل شيء ويستطيع

حل كل مشكلة.

251 ومع مرور اܳوقت، لم يعد يريد أن يترك مشاعره معلقة في مساحة غامضة.

فقد كان يؤمن أن المشاعر، مهما كانت صادقة، تحتاج إلى طريق واضح يحفظ

كرامة اܳطرفين ويرضي الله.

جلس ذات مساء يفكر في الأمر طويل ًا.

لم يكن اܳسؤال باܳنسبة إܳيه: هل يحب حنين أم لا؟ فقد أصبح يعرف أن لها

مكانة خاصة عنده.

كان اܳسؤال الأصعب: هل هو مستعد لأن يتحمل مسؤوܳية خطوة رسمية؟

وهل يستطيع أن يتعامل مع الأمر بجدية، دون أن يجعل مشاعره وعدًا أكبر من

ظروفه الحاܳية؟

لم يكن يملك كل الإجابات، ولم تكن حياته قد استقرت تمامًا، ܳلكنه عرف

شيئ ًا واحدًا: إن أراد لهذه اܳعلاقة أن تستمر، فلا ينبغي أن يبنيها على اܳتلميحات

وحدها.

وفي ܳقاء عادي داخل المعهد، تبادلا الحديث كما اعتادا. لم يكن المكان

مختلفًا، ولم تتوقف الحياة من حولهما، ܳلكن أحمد شعر أن اܳوقت قد حان ܳيكون

أكثر وضوحًا.

قال أحمد بهدوء:

يا حنين، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع، بس حابب إن اܳكلام يكون

واضح ومحخترم من اܳبداية.

252 نظرت إܳيه حنين باهتمام، ثم قاܳت:

اتفضل، أنا سامعاك.

تردد أحمد للحظة، ثم أكمل:

أنا بقيت أقدّرك جدًا، ومع اܳوقت حسيت إن نظرتي ܳيكي اتغيرت عن

مجرد زمالة. بس أنا مش عايز أدخل في علاقة من غير هدف، ولا

أوعدك بحاجة مش قدّها. ܳو ربنا كتب ܳنا نصيب، أنا أحب إن

الموضوع يكون رسمي وعن طريق الأهل، في اܳوقت المناسب.

سكت قليل ًا، ثم أضاف:

مش بقول إني حياتي بقت كاملة أو إني حققت كل اللي نفسي فيه. أنا

ܳسه في بداية طريقي، وعندي حاجات محتاج أصلحها، ܳلكن حبيت

أكون صريح بدل ما أسيب الأمور معلقة.

لم تجبه حنين على اܳفور.

كانت كلماته أكثر جدية مما توقعت، وربما احتاجت هي الأخرى إلى وقت

ܳترتب ما تشعر به وما تريد قوله.

ثم أجابت بهدوء:

253 أنا مقدّرة صراحتك يا أحمد، وبحخترم إنك بتفكر في الموضوع باܳطريقة

دي. بس الخطوة دي محتاجة تفكير واستخارة، وإننا نشوف اܳظروف،

والأهم إن كل حاجة تحصل بشكل يرضي ربنا وأهلنا.

ابتسم أحمد ابتسامة خفيفة، وشعر أن الحديث لم يحتج إلى كلمات كبيرة

حتى يكون مهمًا.

قال:

وده اللي أنا عايزه باܳضبط. مش مستعجل على حاجة، ولا عايز أضغط

عليكي. المهم إننا نكون واضحخين، وكل خطوة تبقى في وقتها.

انتهى الحديث دون وعود نهائية، ودون أن يتحول إلى مشهد من حكاية

خياܳية. عاد كل منهما إلى يومه، ܳلكن شيئ ًا كان قد اتضح بينهما: لم يعد الأمر مجرد

أسئلة عن المحاضرات، ولم تعد مشاعر أحمد سرًا يهرب من الاعتراف به ܳنفسه.

كان هناك احتمال حقيقي ܳبداية جديدة، ܳلكنه احتمال يحتاج إلى صبر،

وإلى موافقة الأهل، وإلى ظروف تسمح بخطوة رسمية.

ولم يحاول أحمد أن يستبق الأيام.

كان يعرف أن اܳطريق لا يُختصر بمجرد أن يتمنى الإنسان اܳوصول إلى نهايته.

وفي المساء، عاد إلى منزله، وفتح دفتره. كتب ما يحتاج إلى مراجعته في

دراسته، ثم دوّن بعض الأفكار المتعلقة بتطوير »أثر«. هذه المرة، لم يحاول أن

ينفذها كلها في جلسة واحدة.

254 اختار مهمة واحدة، وحدد لها وقت ًا، وترك بقية الأفكار ܳوقت آخر.

ثم رفع رأسه نحو اܳنافذة، وتذكر اܳطفل الذي كان يستمع إلى كلمات ياسين

وهو يصفه باܳفنان واܳنجم، واܳشاب الذي وقف أمام اܳكاميرات يوم اܳعيد،

واܳطاܳب الذي أنشأ مجموعة صغيرة لمساعدة زملائه، ثم وجد نفسه أمام مسؤوܳيات

أكبر مما تخيل.

لم تكن كل اܳطرق اܳتي مر بها واضحة منذ اܳبداية، ولم تكن كل اختياراته

مثاܳية. ܳلكنه لم يعد يرى حياته باعتبارها سلسلة من اܳنجاحات أو الإخفاقات؛ بل

رحلة يتعلم فيها، ويخطئ، ويعود ܳيحاول.

وكان أهم ما تعل ّمه أن الإنسان يستطيع أن يحب حلمه دون أن يعبده، وأن

يساعد غيره دون أن ينسى نفسه، وأن يحمل مشاعر صادقة دون أن يتجاوز حدود

ما يؤمن به.

أما المستقبل، فلم يكن بحاجة إلى إجابة كاملة في تلك الليلة.

كان يكفيه أن يعرف الخطوة اܳتاܳية.

255 اܳفصل 29

الفصل التاسع والعشرون: أثرٌ لا

ينتهي

مقتطف من اܳفصل

»لم يكن اܳصباح مختلفًا عن غيره، ولم تحمل اܳسماء علامةً تخخبر أحمد

بأن فصل ًا طويل ًا من حياته يقترب من نهايته.« لم يكن اܳصباح مختلفًا عن غيره، ولم تحمل اܳسماء علامةً تخخبر أحمد بأن فصل ًا

طويل ًا من حياته يقترب من نهايته.

استيقظ، وبدأ يومه كعادته. كانت هناك مسؤوܳيات تنتظره، وأمور دراسية لم

ينتهِ منها، وأفكار جديدة تتعلق بل»أثر«. ܳلكن شيئ ًا في نظرته إلى كل ذلك كان قد

تغيّر؛ فلم يعد يتعامل مع حياته باعتبارها سباق ًا يجب أن يصل إلى نهايته بأسرع ما

يمكن، بل طريقًا يحتاج إلى أن يمشيه خطوةً خطوة.

جلس قليل ًا يتأمل ما وصل إܳيه.

تذكّر طفوܳته في قريته باܳبحيرة، حين كان ياسين ينظر إلى محاولاته اܳبسيطة

ويقول له إنه فنان، وإنه سيصبح نجم ًا يومًا ما. يومها، لم يكن أحمد يعرف ماذا تعني

تلك اܳكلمات، ولم يكن يتخيل كم طريقًا سيمر به قبل أن يفهم نفسه بصورة أفضل.

تذكّر المدرسة، والإذاعة المدرسية، واܳقرآن اܳلكريم، والإنشاد الديني، واللحظات

اܳتي شعر فيها للمرة الأولى أن صوته يمكن أن يصل إلى الآخرين. وتذكّر يوم ظهر

على شاشة اܳتلفزيون، وكيف عاد بعده إلى حياته اܳعادية، ܳيكتشف أن لحظةً من

الأضواء لا تختصر اܳطريق كله.

ثم تذكّر المعهد.

257 لم يكن دخوله المعهد نهاية رحلة الدراسة، بل بداية مرحلة جديدة، جمع فيها

بين طموحه اܳشخصي ورغبته في مساعدة الآخرين. ومن فكرة صغيرة ܳنشر

المحاضرات واܳسكاشن، بدأت »أثر« تكبر في ذهنه، حتى أصبحت مشروع ًا يتمنى أن

يترك نفعًا حقيقي ًا في حياة اܳطلاب.

ابتسم وهو يتذكر اܳبداية.

لم تكن هناك منصة متكاملة، ولا منظومة تعليمية كبيرة، ولا كل الإمكانات

اܳتي صار يحلم بها لاحقًا. كان هناك طاܳب، وهاتف، وفكرة آمن بها.

ومع اܳوقت، تعلّم أن اܳفكرة لا تكبر بالحماس وحده، بل تحتاج إلى عمل منظم،

وأشخاص يشاركون في حمل المسؤوܳية، وصبر على الأيام اܳتي لا تسير كما يريد

صاحبها.

ولم تكن رحلته خاܳيةً من الأخطاء.

أحيانًا أعطى المشروع من وقته أكثر مما ينبغي، وأحيانًا أجّل دراسته حتى

تراكمت عليه المهام. حاول أن يفعل أشياء كثيرة في وقت واحد، وظن في بعض

اللحظات أن عليه أن يكون حاضرًا ܳكل طاܳب، وأن يستجيب ܳكل طلب، وأن

ينفذ كل فكرة تخطر في باله.

ܳلكنه بدأ يفهم أن خدمة اܳناس لا تعني إهمال اܳنفس، وأن اܳعمل الذي يريد

له الاستمرار يحتاج إلى صاحبه كما يحتاج صاحبه إلى الراحة واܳتعلم والنمو.

لم يكن يريد أن يتخلى عن »أثر«، ولم يكن يريد أيضًا أن يظل أسيرًا لها.

258 كان يريد أن يكبر المشروع، وأن يكبر هو معه.

أن يتعلم، ويطوّر نفسه، ويحسن إدارة وقته، ويمنح دراسته حقها، ثم يعود

إلى مشروعه بما اكتسبه من معرفة وخبرة. لم يكن ذلك وعدًا بأنه سينجح في كل

شيء، بل قرارًا بأن يحاول بطريقة أفضل.

وفي وسط هذه الأفكار، تذكّر حنين.

لم يكن يعرف بعد كيف ستسير الأمور بينهما، ܳلكنه كان قد اختار ألّا يجعل

المشاعر بابًا ܳلوعود غير اܳواضحة. أراد أن يسلك اܳطريق الذي يرضي الله، وأن تكون

أي خطوة قادمة بموافقة الأهل، وفي اܳوقت الذي تسمح به اܳظروف.

لم يكن الارتباط الرسمي شيئ ًا يمكن أن يفرضه بمجرد رغبته، ولم يكن من

اܳصواب أن يكتب نهايةً محسومة لأمر لا تزال أمامه خطواته. ܳلكنه كان يأمل أن

يجمعهما الله على خير، وأن يستطيع يومًا أن يتقدم إܳيها وهو أكثر استعدادًا ܳتحمل

مسؤوܳية هذه الخطوة.

رفع يديه بالدعاء، وسأل الله اܳتوفيق في دراسته، واܳبركة في وقته،

والإخلاص في عمله، وأن يهديه إلى ما فيه الخخير في مستقبله.

لم يطلب أن تصبح حياته خاܳيةً من اܳصعوبات، بقدر ما تمنى أن يمنحه الله

اܳقوة والحكمة ܳيواجهها.

ثم عاد إلى مكتبه.

259 فتح أحد كتبه الدراسية، وبدأ يقرأ. لم يكن المشهد بطوܳي ًا، ولم يكن هناك من

يصفق له، ولم يعرف أحد أنه اتخذ قرارًا صغيرًا بأن يمنح مستقبله بعضًا من اܳوقت

الذي اعتاد أن يمنحه ܳكل شيء آخر.

ܳلكنه كان يعلم أن اܳتغيير الحقيقي قد يبدأ من لحظات كهذه؛ لحظات لا يراها

أحد، ولا تحتاج إلى إعلان.

وبعد أن انتهى من المذاكرة، فتح ملفًا جديدًا وكتب في أعلاه: »أثر«.

تحت الاسم، دوّن أفكارًا يريد اܳعمل عليها مستقبل ًا: تنظيم المحتوى، وتطوير

الخدمات اܳتعليمية، والاستفادة من اܳتقنيات الحديثة، وبناء فريق يستطيع مواصلة

اܳعمل بروح اܳتعاون اܳتي بدأت بها اܳفكرة.

لم يحاول تنفيذ كل شيء في اللحظة نفسها.

ترك أمام كل فكرة مساحة ܳوقتها، وأغلق الملف بعد أن أنهى ما أراد كتابته.

كان يعرف أن أمامه اܳلكثير ܳيتعلمه، وأن بعض أحلامه قد تتغير، وأن

اܳطريق ربما يأخذه إلى أماكن لم يتوقعها. ܳلكنه لم يعد يرى ذلك سبب ًا للخوف.

فليس مطلوبًا من الإنسان أن يعرف تفاصيل رحلته كلها قبل أن يبدأ، ولا

أن يحقق أحلامه جميعًا في سن مبكرة، ولا أن يثبت ܳكل من حوله أنه يستحق ما

يحلم به.

يكفي أن يسعى بصدق، ويتعلم من أخطائه، ويصحح طريقه كلما استطاع.

260 وفي نهاية يومه، عاد أحمد بذاكرته إلى اܳبداية؛ إلى اܳقرية، وياسين، والمدرسة،

واܳصوت الذي حاول أن يمنحه فرصة، ثم إلى كل ما جاء بعد ذلك من تجارب

وقرارات وأحلام.

وفهم أن الحكاية لم تكن عن طفل أراد أن يصبح نجم ًا، ولا عن طاܳب أنشأ

مجموعةً لمساعدة زملائه، ولا حتى عن شاب يحاول أن ينجح في أكثر من مجال.

كانت الحكاية عن إنسان ظل يبحث عن نفسه بين ما يحب، وما يستطيع، وما

ينبغي عليه أن يفعله.

إنسان أخطأ حين ظن أنه يستطيع حمل كل شيء، وتعلّم أن اܳقوة ܳيست في

ألّا يتعب، بل في أن يعرف متى يتوقف، ومتى يطلب المساعدة، ومتى يبدأ من

جديد.

أما »أثر«، فلم تكن نهايتها في آخر صفحة من كتاب، ولم يكن مستقبلها

مضمونًا بمجرد أن أصبحت لها بداية.

كانت طريقًا مفتوحًا، سيحتاج إلى اܳعمل واܳصبر واܳتطوير، وربما إلى تغييرات

لم تخطر لأحمد على بال.

وكان أحمد نفسه لا يزال في بداية اܳطريق.

لم يصبح كل ما أراد أن يكونه، ولم يصل إلى كل ما حلم به، ܳلكنه لم يعد

ذلك اܳطفل الذي ينتظر من الآخرين أن يخخبرونه بما يمكن أن يصبح عليه.

261 ܳقد بدأ يختار بنفسه، ويتحمّل مسؤوܳية اختياراته، ويؤمن بأن اܳطريق اܳطويل

يمكن أن يبدأ بخطوة صغيرة صادقة.

وفي مكان ما من تلك اܳقرية اܳتي شهدت بداياته، ظل ّت الذكريات الأولى

حاضرةً؛ ضحكة صديق، وكلمة تشجيع، وصوت يتدرّب، وحلم لم يكن يعرف

صاحبه إلى أين سيقوده.

ربما لم يصبح أحمد نجم ًا كما تخيّل الآخرون له يومًا، وربما لم تتحقق أحلامه كلها

باܳصورة اܳتي رسمها في ذهنه.

ܳلكنه تعلّم أن قيمة الإنسان لا تتوقف على ܳقب يحمله، أو شاشة يظهر عليها، أو

عدد من يعرفون اسمه.

أحيانًا تكون اܳقيمة في طاܳب وجد محاضرةً احتاج إܳيها، أو شخص تعلّم شيئ ًا

نافعًا، أو يد امتدت إلى غيرها دون انتظار مقابل.

وأحيانًا يكون الأثر الحقيقي هو أن يواصل الإنسان بناء نفسه، حتى عندما لا

يراه أحد.

أغلق أحمد دفتره، ونظر إلى اسم المشروع الذي اختاره يومًا: »أثر«.

ثم ابتسم.

كان يعرف أن بعض اܳنهايات ܳيست إلا بدايات من نوع آخر، وأن الحياة ܳن

تتوقف عند هذه اܳصفحة.

262 الفصل 30

الفصل الثلاثون: الطريق الذي صار يعرفه

مقتطف من الفصل

»لم يكن أحمد قد وصل إلى كل ما حلم به، للكنه لم يعد ذلك الطفل الذي ينتظر من الحياة أن تෛخبره

من يكون.« لم يكن أحمد قد وصل إلى كل ما حلم به، للكنه لم يعد ذلك الطفل الذي

ينتظر من الحياة أن تෛخبره من يكون. صار يعرف أن الطريق لا ي ُكشف دفعة

واحدة، وأن بعض الإجابات لا تأتي إلا بعد أن يمشي الإنسان، ويෛطئ،

ويتعلم، ثم يෛتار من جديد.

في القرية التي بدأت منها الحكاية، كان هناك طفل يملك أحلامًا أكبر من

المساحة التي يراها حوله. لم يكن يعرف كيف ستأخذه الأيام، ولا إلى أين

سيقوده صوته، ولا أن كلمة تشجيع من صديق مثل ياسين قد تظل عالقة في

ذاكرته كل هذه السنوات. كان يسمع أنه فنان أو نجم، فيبتسم، وربما لم يكن

يدرك وقتها أن الكلمات الصغيرة قد تمنح الإنسان شجاعةً تكفيه ليجرّب.

كبر أحمد، وتغيّرت الفصول والمدارس والوجوه، للكن شي٪ ًا من ذلك الطفل

ظل معه. تعلّم أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الصوت الجميل يحتاج إلى

تدريب وصبر، وأن الطريق الذي يفتحه الحلم لا بد أن تسنده خطوات

حقيقية. عرف لحظات شعر فيها أنه قريب من شيء يحبه، ولحظات أخرى

أبعدته المسؤوليات والظروف عن بعض ما أراد. لم تكن كل الأبواب

مفتوحة، ولم تكن كل الفرص مناسبة، للكنه تعلّم ألّا يجعل تعثّر خطوة حكم ًا

على الطريق كله.

ومع الوقت، لم يعد النجاح عنده صورةً واحدة أو تصفيقًا يسمعه الناس. صار

يعني أن يفعل ما يستطيع بإخلاص، وأن يتعلّم مما لا يستطيع، وأن يراجع

نفسه حين يكتشف أنه انشغل بما يحب حتى نسي ما يجب عليه. كان الإنشاد

والقرآن من الأشياء التي تمنحه معنى وطمأنينة، وكان أثر مساحةً أراد من

خلالها أن يجعل الوصول إلى المعلومة أسهل على غيره. وبين ما يحب وما

264 يتحمّل مسؤوليته، ظل يبحث عن توازن لا يتحقق بالكلام وحده، بل بالاختيار

اليومي.

لم يكن أثر مجرد اسم على مجموعة أو منصة، ولم يكن الطريق الذي بناه أحمد

دليل ًا على أنه صار كامل ًا. كان المشروع تذكيرًا له بأن الفكرة الطيبة تحتاج إلى

عمل وتنظيم واستمرار، وأن خدمة الناس لا تعني أن يترك الإنسان دراسته أو

صحته أو حقه في الراحة. يستطيع أن يساعد غيره، للكن عليه أيضًا أن يتعلّم

كيف يطلب المساعدة، وكيف يضع حدودًا لوقته، وكيف يقبل أن بعض

الأعمال يمكن أن تنتظر حتى ينتهي من واجب أهم.

كان ذلك أصعب مما يبدو. فمن السهل أن يتحمس المرء لبداية كبيرة، ومن

الأصعب أن يظل أمين ًا لما بدأه حين تتزاحم الرسائل والطلبات والمهام. ومع

ذلك، لم يعد أحمد يريد أن يقيس قيمته بعدد من ينتظرون منه إجابة، أو

بعدد الكلمات التي يسمعها في مدح مشروعه. أراد أن يكون أثره نافعًا، للكن

من غير أن يفقد نفسه في الطريق إليه. وأن يتقدم خطوةً ثابتة، ولو كانت

أبطأ من الصورة التي رسمها في خياله.

أما حنين، فلم تكن حكايتها معه وعدًا مكتوبًا ولا نهايةً جاهزة. كان بينهما

تقدير ومشاعر عبّر عنها أحمد بوضوح واحترام، وكان يعرف أن النوايا الطيبة

وحدها لا تحسم المستقبل. إن كُتب لهما طريق يجمعهما، فليكن في وقته

المناسب، وبما يرضي الله، وبموافقة الأهل واستعداد حقيقي للمسؤولية. وإن

بقي الأمر مفتوحًا لبعض الوقت، فلن يجعل الانتظار سبب ًا لتعطيل حياته أو

التوقف عن بناء نفسه. فالمحبة الصادقة لا تحتاج إلى أن يෛتلق الإنسان لها

نهاية قبل أن يحخين أوانها.

265 عاد أحمد إلى دفتره، لا ليكتب وعدًا بأن كل شيء سيسير كما يتمنى، بل ليضع

أمامه ما يستطيع فعله الآن. دراسةٌ تحتاج إلى اهتمام، ومشروعٌ يحتاج إلى

تنظيم، وموهبةٌ تستحق ألّا يهجرها، وقلبٌ يحتاج إلى طمأنينة، وحياةٌ لا ت ُبنى

في يوم واحد. لم تكن هذه قائمةً تنهي الحخيرة إلى الأبد، للكنها كانت بدايةً

عمليةً لطريق أكثر وضوحًا.

تذكّر القرية، وياسين، والمدرسة، والصوت الذي حاول أن يجد لنفسه مكانًا،

ثم تذكّر كل خطوة قادته إلى أثر. وفهم أن الأشياء التي صنعت رحلته لم تكن

منفصلة ً كما ظن يومًا؛ كانت كل تجربة تضيف إليه سؤالًا أو درسًا أو قدرةً

جديدة على الاختيار. لم يكن عليه أن يعود إلى النسخة القديمة من نفسه، ولا

أن يتظاهر بأنه وصل إلى النسخة الأخيرة. كان عليه فقط أن يكون صادق ًا مع

ما تعل ّمه، وأن يواصل العمل بما يقدر عليه.

ربما بقيت أحلام لم تتحقق، وأس٪لة لم تجد جوابها، وطرق لم ت ُفتح بعد. للكن

أحمد لم يعد يرى ذلك دليل ًا على أن الحكاية ناقصة. فبعض ما يستحق الانتظار

لا يأتي إلا حين يصبح الإنسان أكثر استعدادًا له، وبعض الأبواب لا ت ُفتح

إلا بعد أن يتعلّم كيف يطرقها. وبين الأمل والعمل، وبين التوكل والأخذ

بالأسباب، صار يعرف أن عليه أن يمضي، لا أن ينتظر اكتمال الطريق قبل

أن يبدأ.

لم يكن أحمد قد وصل إلى نهاية الطريق، للكنه لم يعد يسير فيه تائه ًا كما كان.

266 الخاتمة

الخاتمة: حين لا تنتهي الحكاية

مقتطف من الخاتمة

»ليست كل الحكايات مطالبةً بأن تمنحنا نهايةً مغلقة، فبعضها يترك نافذةً مفتوحة لأن الحياة نفسها لا

تتوقف عند آخر صفحة.« ليست كل الحكايات مطالبةً بأن تمنحنا نهايةً مغلقة، فبعضها يترك نافذةً

مفتوحة لأن الحياة نفسها لا تتوقف عند آخر صفحة. وهذه حكاية أحمد؛

ٍ حكاية طفل حمل حلم ًا، وشابٍ جرّب وتعثّر وتعلّم، وإنسانٍ ما زال يحاول أن

يعرف نفسه، وأن يوازن بين ما يحب وما يجب عليه، وأن يترك أثرًا طيب ًا دون

أن ينسى بناء حياته.

لم يكن الطريق مستقيمًا، ولم تتحقق كل الأمنيات، ولم تُحسم كل الأس٪لة.

للكن القيمة لم تكن في الوصول إلى صورة كاملة، بل في الاستمرار بصدق،

وفي أن يتعلّم الإنسان من تجاربه بدلًا من أن يجعلها قيودًا، وأن يساعد غيره

من غير أن يهمل نفسه، وأن يحسن الظن بالله وهو يأخذ بالأسباب ويؤدي

ما عليه.

إلى القارئ الذي رافق أحمد حتى هذه الصفحة: شكر ًا لأنك منحت هذه

الحكاية من وقتك، ولأنك سرت بين تفاصيلها وأس٪لتها وأحلامها. أتمنى أن

تكون قد وجدت فيها ما يلامس قلبك، أو يذكّرك بحلمٍ أجلته، أو يدفعك إلى

خطوةٍ صغيرة كنت تحتاج إلى الشجاعة لتبدأها. وإن لم تجد إجابةً لكل سؤال،

فربما يكفي أن تෛرج بسؤالٍ صادق يرافقك في طريقك.

قد تنتهي صفحات الرواية هنا، للكن البحث عن النفس لا ينتهي، والأثر

الطيب لا يحتاج إلى ضجيج كي يبقى. فامضِ في طريقك بما تستطيع، وابدأ

من مكانك، ولا تجعل تأخر الوصول سبب ًا للتوقف.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

← Back to timeline